حبيب الله الهاشمي الخوئي
114
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقال ( الحمد للَّه الذي لم يصبح بي ميّتا ) أي لم يدخلني في الصّباح والحال أنّي ميّت أو لم يصيّرني ميّتا . فان قلت : كيف يجتمع حمده عليه السّلام على عدم موته مع قوله الَّذى ما زال عليه السّلام يقوله من كونه آنس بالموت من الطَّفل بثدى امّه ، فانّ الأوّل مشعر بحبّه عليه السّلام للبقاء والثاني مفيد للَّقاء . قلت : لا تنافي بين الكلامين لانتفاء المنافاة في المقامين . فانّ الأوّل أعنى الحمد على الحياة إنما هو في مقام الرّضاء بالقضاء والشكر على النعماء ، فانّ وظيفة أهل اليقين لا سيّما أئمة الدّين الذين لا يشاؤن إلَّا أن يشاء اللَّه هو أن يرضى بجميع ما قدره اللَّه في حقه وقضاه من الحياة والمماة والصحة والسقم والغنى والفقر ، فقد قال تعالى في الحديث القدسي : من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر على نعمائي ولم يقنع بعطائى فيطلب ربا سوائي ويخرج من تحت أرضى وسمائي ، فهم ما لم يقدر في حقهم الموت لا بدّ أن يكونوا راضين بالحياة محبّين لها شاكرين عليها لكونها المقدّرة في حقّهم ، حتّى إذا بلغ الكتاب أجله وتمّ مقاديره يكون الموت أحبّ إليهم وقرّة عينهم فيه . ويشير إلى ذلك ما رواه المحدّث الجزائري عن الشهيد الثاني أنّ جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ابتلى في آخره عمره بضعف الهرم والعجز فرآه محمّد بن عليّ الباقر عليه الصلاة والسلام فسأله عن حاله فقال : أنا في حالة أحبّ فيها الشيخوخة على الشباب وإن جعلني اللَّه شابا أحبّ الشبوبة وإن أمرضني أحبّ المرض وإن شفاني أحبّ الشفاء والصّحة وإن أماتني أحبّ الموت وإن أبقاني أحبّ البقاء ، الحديث وأما الثاني وهو إظهار فرط انسه بالموت فإنما هو في مقام الزهد والنفرة عن الدنيا وزخارفها ولذاتها وشهواتها الفانية وامنياتها الباطلة . وأيضا فانّ الدّنيا من حيث إنها معبد أحبّاء اللَّه ومسجد أولياء اللَّه ومتجر عباد اللَّه والوصلة إلى الرّحمة والوسيلة إلى الرضوان والجنة فحياتها مطلوبة وبقاؤها نعمة عظيمة يجب الشكر عليها بل لا نعمة فوقها لكونها المحصّلة لجميع النعم .